الشيخ الطبرسي
331
تفسير مجمع البيان
محمد ! أتريد أن نعبدك ونتخذك إلها ؟ فقال : معاذ الله أن أعبد غير الله ، أو آمر بعبادة غير الله ! ما بذلك بعثني ، ولا بذلك أمرني . فأنزل الله الآية ، عن ابن عباس وعطاء . وقيل : نزلت في نصارى نجران ، عن الضحاك ومقاتل . وقيل : إن رجلا قال : يا رسول الله ! نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، أفلا نسجد لك ؟ قال : " لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ، ولكن أكرموا نبيكم ، واعرفوا الحق لأهله " . فأنزل الله الآية . المعنى : لما تقدم ذكر أهل الكتاب ، وأنهم أضافوا ما يتدينون به إلى الأنبياء ، نزههم الله عن ذلك ، فقال : ( ما كان لبشر ) يعني : ما ينبغي لبشر كقوله : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ) . و ( ما كان لنا أن نتكلم بهذا ) أي : لا ينبغي . وقيل : لا يجوز معناه لبشر ، ولا يحل له ( أن يؤتيه الله ) أن : يعطيه الله ( الكتاب والحكمة والنبوة ) أي : العلم أو الرسالة إلى الخلق . ( ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ) أي : اعبدوني من دونه ، أو اعبدوني معه ، عن الجبائي . وقيل : معناه ليس من صفة الأنبياء الذين خصهم الله لرسالته ، واجتباهم لنبوته ، وأنزل عليهم كتبه ، وجعلهم حكماء علماء ، أن يدعوا الناس إلى عبادتهم . وإنما قال ذلك على جهة التنزيه للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ، عن مثل هذا القول ، لا على وجه النهي . وقوله : ( عبادا ) هو من العبادة ، قال القاضي : وعبيد بخلافه ، لأنه بمعنى العبودية . ولا يمتنع أن يكونوا عبادا لغيره . ( ولكن كونوا ربانيين ) فيه حذف أي : لا ينبغي لهذا القول أن يقول للناس اعبدوني ، ولكن ينبغي أن يقول لهم كونوا ربانيين . وفيه أقوال أحدها : إن معناه كونوا علماء فقهاء ، عن علي وابن عباس والحسن . وثانيها : كونوا علماء حكماء ، عن قتادة والسدي وابن أبي رزين . وثالثها : كونوا حكماء أتقياء ، عن سعيد بن جبير ورابعها : كونوا مدبري أمر الناس في الولاية بالإصلاح ، عن ابن زيد وخامسها : كونوا معلمين للناس من علمكم ، كما يقال : أنفق بمالك أي : أنفق من مالك ، عن الزجاج . وروي عن النبي أنه قال : " ما من مؤمن ، ولا مؤمنة ، ولا حر ، ولا مملوك ، إلا ولله عليه حق واجب أن يتعلم من العلم ، ويتفقه فيه " . وقال أبو عبيدة : سمعت رجلا عالما يقول : الرباني العالم بالحلال الحرام ، والأمر والنهي ، وما كان وما يكون . وقال أبو عبيدة : لم تعرف العرب الرباني . وهذا فاسد ، لأن القرآن نزل